محمود محمود الغراب
58
الحب والمحبة الإلهية من كلام الشيخ الأكبر
فضيحته في دعواه ، فقل له : يا أخي هذا المعنى بعينه ، هو الذي ذكرت لي أنه حركك في السماع البارحة ، لما جاء به القوال في شعره بنغمته الطيبة ، فلأي معنى سرى فيك الحال البارحة ؟ وهذا المعنى موجود فيما قد صغته لك وسقته بكلام الحق تعالى ، الذي هو أعلى وأصدق ، وما رأيتك تهتز مع الاستحسان وحصول الفهم ، وكنت البارحة يتخبطك الشيطان من المس كما قال اللّه تعالى ، وحجبك عن الفهم السماع الطبيعي ، فما حصل لك في سماعك إلا الجهل بك ؛ فمن لا يفرق بين فهمه وحركته كيف يرجى فلاحه ؟ ! فالسماع من عين الفهم ، هو السماع الإلهي إذا ورد على صاحبه ، وكان قويا لما يرد به من الإجمال ، فغاية فعله في الجسم أن يضجعه لا غير ، ويغيب عن إحساسه ، ولا يصدر منه حركة أصلا بوجه من الوجوه ، سواء كان من الرجال الأكابر أو الصغار ، هذا حكم الوارد الإلهي القوي ، وهو الفارق بينه وبين حكم الوارد الطبيعي ، فإن الوارد الطبيعي كما قلنا يحركه الحركة الدورية والهيمان ، والتخبط فعل المجنون ، وإنما يضجعه الوارد الإلهي لسبب أذكره لك ، وذلك أن نشأة الإنسان مخلوقة من تراب ، قال تعالى : مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى وإن كان فيه من جميع العناصر ، ولكن العنصر الأعظم التراب ، قال عز وجل فيه أيضا إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ والإنسان في قعوده وقيامه بعد عن أصله الأعظم الذي منه نشأ من أكثر جهاته ، فإن قعوده وقيامه وركوعه فروع ، فإذا جاء الوارد الإلهي وللوارد الإلهي صفة القيومية ، وهي في الإنسان من حيث جسميته بحكم العرض ، وروحه المدبر هو الذي كان يقيمه ويقعده ، فإذا اشتغل الروح الإنساني المدبر عن تدبيره ، بما يتلقاه من الوارد الإلهي من العلوم الإلهية ، لم يبق للجسم من يحفظ عليه قيامه ولا قعوده ، فرجع إلى أصله ، وهو لصوقه بالأرض المعبر عنه بالاضطجاع ، ولو كان على سرير ، فإن السرير هو المانع له من وصوله إلى التراب ، فإذا فرغ روحه من ذلك التلقي ، وصدر الوارد إلى ربه ، رجع الروح إلى تدبير جسده ، فأقامه من ضجعته ، هذا سبب اضطجاع الأنبياء على ظهورهم عند نزول الوحي عليهم ، وما سمع قط عن نبي أنه تخبط عند نزول الوحي ، هذا مع وجود الواسطة في الوحي وهو الملك ، فكيف إذا كان الوارد برفع الوسائط ؟ لا يصح أن يكون منه قط غيبة عن إحساسه ، ولا يتغير عن حاله الذي هو عليه ، فإن الوارد الإلهي برفع الوسائط الروحانية يسري في كلية